الشيخ محمد رشيد رضا

51

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم » « 1 » قال فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال الجنة » فكان الشعبي إذا حدث هذا الحديث قال ما سمع الشبب والشباب بخطبة أقصر ولا أبلغ منها ومعنى نزولها في مبايعة الأنصار انها تدخل في عموم الآية دخولا أوليا لا انها خاصة بها . وقد روى ابن مردويه من حديث أبي هريرة مرفوعا « من سل سيفه في سبيل اللّه فقد بايع اللّه » وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال : ما على ظهر الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة . وفي لفظ : اسعوا إلى بيعة بايع اللّه بها كل مؤمن ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ ) ولكن العجب ممن يدعون الايمان وهم ينكثون بيعة اللّه عز وجل فهم لا يبذلون أنفسهم ولا شيئا من أموالهم في سبيل اللّه ، وانما يطلبون الجنة بغير ثمنها كما يطلبون سعادة الدنيا وسيادتها من غير طريقها ، ولا طريق لها إلا الجهاد بالمال والنفس . والقرآن حجة عليهم وهو حجة اللّه البالغة التي لا يدحضها شيء وهي تدحض كل شيء . * * * ثم وصف اللّه تعالى هؤلاء المؤمنين البائعين أنفسهم وأموالهم للّه تعالى بجنته ودار كرامته ، فقال التَّائِبُونَ أي هم التائبون الكاملون في توبتهم وهي الرجوع إلى اللّه تعالى عن كل ما يبعد عن مرضاته ، وتختلف باختلاف أحوال أهلها ، فتوبة الكفار الذين يدخلون في الاسلام هي الرجوع عن الكفر الذي كانوا عليه من شرك وغيره كما تقدم في قوله تعالى ( 11 فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ ) وتوبة المنافق من النفاق وتقدم ذكرها في هذه السورة أيضا ، وتوبة العاصي من المعصية ، ومنه توبة من تخلف عن غزوة تبوك من المؤمنين ، وتقدم قريبا ذكر من تاب منهم ومن أرجيء أمره ، - وتوبة المقصر في شيء من البر وعمل الخير انما تكون في التشمير فيه والاستزادة منه - وتوبة من يغفل عن ربه ، انما تكون في الاكثار من ذكره وشكره ، وسيأتي ذكر توبة اللّه تعالى على الجميع في الآيتين ( 117 و 118 )

--> ( 1 ) المنع الحماية والدفاع